ابن أبي الحديد

29

شرح نهج البلاغة

فخرج عبد الرحمن ، فأقبل على لابن أبي وقال : أفي غفلة أنت إلى يومك هذا عما كان من تقدم أحيمق بنى تميم على وظلمه لي ! فقلت : لا علم لي بما كان من ذلك ، قال : يا بنى فما عسيت أن تعلم ؟ فقلت : والله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم ، قال : ان ذلك لكذلك على رغم أبيك وسخطه ، قلت : يا أبت ، أفلا تجلى عن فعله ( 1 ) بموقف في الناس تبين ذلك لهم ؟ قال : وكيف لي بذلك مع ما ذكرت انه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم ! اذن يرضخ ( 2 ) رأس أبيك بالجندل . قال ابن عمر : ثم تجاسر والله فجسر ، فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس ، فقال : أيها الناس ، إن بيعة لابن أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه . وروى الهيثم بن عدي ، عن مجالد ( 3 ) بن سعيد ، قال : غدوت يوما إلى الشعبي وأنا أريد أن أساله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقوله ، فأتيته وهو في مسجد حيه وفي المسجد قوم ينتظرونه ، فخرج فتعرفت إليه ، وقلت : أصلحك الله ! كان ابن مسعود يقول : ما كنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان لبعضهم فتنة ، قال : نعم ، كان ابن مسعود يقول ذلك ، وكان ابن عباس يقوله أيضا - وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها ، ويصرفها عن غيرهم - فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد ، فجلس إلينا ، فأخذنا في ذكر لابن أبي بكر وعمر ، فضحك الشعبي وقال : لقد كان في صدر عمر ضب ( 4 ) على لابن أبي بكر ، فقال الأزدي : والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل ،

--> ( 1 ) الشافي : ( أفلا تحكي عن فعله ) . ( 2 ) الرضخ : كسر الرأس بالحجر . ( 3 ) هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي . قال البخاري : كان يحيي بن سعيد يضعفه ، وكان ابن مهدي لا يروى عنه ، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئا . وقال ابن معين : ضعيف واهي الحديث ، مات سند 144 . تهذيب التهذيب 10 : 36 . ( 4 ) الضب : الحقد والعداوة ، وجمعه ضباب ، قال الشاعر : فما زالت رقاك تسل ضغني * وتخرج من مكامنها ضبابي